حدثني والدي…عن الفقر!!!
كتبهاد.أسامة الفاعوري ، في 13 كانون الأول 2007 الساعة: 04:06 ص
حدثني والدي…عن الفقر!!!
عندما أصبحت في سن المراهقة بدأت الحياة تتموج أمامي، وكنت أسكن في منطقة جميلة متوسطة الحال، يغلب عليها الطابع الأوروبي، كون الجيران الأحباء في الجوار هم من الشراكسة والشيشان، وكانوا نعم الجيران والأصدقاء، وكنت أقضي معهم معظم أوقاتي، وكنا كجسد واحد، وهذه العلاقة ما زالت الى اليوم، وكلما راء أحدنا الآخر أخذه بالأحضان، وبدا بالسؤال عن والده ووالدته وإخوته…الخ، كنا في تلك الأيام نعيش أجمال أيام العمر، والانفتاح، والحب، والصداقة، والجيره.
وفي يوم من الأيام بدأت أثور على بعض الأمور في البيت، من حيث المصروف، واللباس، وحرية التصرف، وبدأت في بعض الأحيان أحاول الثورة من خلال ضرب الأمثلة عن هذا أو ذاك، وكان والدي يشاهد ويسمع ولكنه لا يعلق على ما أقول، وفي يوم من الأيام، وكان يصادف يوم الجمعة، أخذني والدي جانباً، وقال لي أتود أن أحدثك بصراحة أم أكذب عليك! قلت له لا بصراحة، قال لي يا ولدي العزيز إسمع، لقد تخليت عن الأهل والعشيرة، وذهبت لإعيش وحيداً، وأحاول أن أصنع شيئاً ما لكم، وبعد أن رحلت هنا وهناك، وذقت الامرين وصلت بكم الى بر الأمان، أما حياتي فبدأت من …الخ، وأنا أستمع ولا أستمع، وعندما أردت أن أجيبه إجابتي الصريحة، كان والدي يقول ياوالدي سوف تتزوج في الغد وترى ما هي الصعوبات الحقيقية، وسوف تعرف فيما بعد أهمية ما أعمله أنا اليوم، ومدى أهميته، وتمضي الأيام، وأجلس اليوم في بريطانيا وأتذكر والدي وما قاله لي، لإجد كم هي الأنانية المفرطة لدينا نحن في هذ العمر، وأعلم جيداً أن أبني سوف ينتقدني ولكن لإسباب مختلفة حسب الجيل ومفاهيمة، والحياة الجديدة وما تتطلبه.
ولكنني سوف أقص عليكم ماذا تعلمت من الوالد رحمه الله، الفقر ليس عيباً، ولكنه شرف، ما دام الأنسان يسعى للتغير نحو الأفضل، التغير الذي لا يسرق فيه الشخص، ولا يصبح قطاعاً للطرق، ولا يعتدي على الحرمات، ويراعي الله في رزقه، ويحترم من هو أكبر منه سناًً، ويحترم أقرباءه وجيرانه والناس الذين يعرفهم، وأولئك الذين لا يعرفهم، وأن يكون كريم النفس، ومتسامح، وشريف، وعفيف، ويساعد الآخرين مهما كانت الظروف، ولا يتنازل عن مبادئه…الخ، كان والدي يغرس في نفسي أشياء وأشياء، وعندما أتذكره وأنا أراقب ولدي الصغير، أقول رحمك الله ياوالدي، وتردد زوجتي عليهم الرحمة، وأقول لها لو عاش والدي الى هذا اليوم، لأُعجب في إختياري لك كزوجة، كان والدي يحب الكرم والشهامة وعزة النفس، وأحسب زوجتي وأهلها من هذه النوعية الكريمة.
واليوم وأنا أجد أن الحياة والحمدالله تبتسم لنا، على الأقل لست فقيراً، و الحمدالله مستورة، والغني غني النفس كما كان يقول لي والدي دوماً، وأنا إنسان حصل على تعليم جيد ، والصحة من فضل الله جيدةجداً والحمدالله، أتذكر والدي الذي قال لي في يوم من الأيام، تذكر يا ولدي أن هناك معايير تحكم الرجال، إذا تخلى الرجل عنها سقط، ويا ولدي أبشع شئ في الحياة أن تسقط الرجال الرجال، وكل يوم يترّسخ في ذهني مبادئ تطابق تلك التي أوصاني والدي بها، أصبحت أكثر تمسكاً بالحق، ومن أولئك الذين لهم قضية كبيرة، وأصبحت مهتماً في مجالات متعددة لم أكن مهتماً بها في السابق، أصبحت إنساناً آخر، وكل هذا يعود الفضل به الى هذا الصندوق الذي أحمله على رأسي، والذي يذكرني بالماضي، ويجعلني أكثر تمسكاً بما فيه من قيم وأخلاقيات ومبادئ، وأصبحت أُدرب نفسي على ضبط النفس والتحكم بها، وأصبح قربي من الله عز وجل يعزز في نفسي اشياء كثيرة لم تكن لتعزز من قبل، والواقع أن الأنسان في الغربة يؤثر به كثير من المواقف والأحداث الذي تعيده الى ذكرياته، ولو كنت مغترباً لمدة طويلة من الزمن، الأغتراب للدراسة، والأغتراب للعمل، والأغتراب الآن مرة أخرى!!! أتذكر والدي وأدعو الله في كل صلاة أن يجعل مثواه الجنه.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























ديسمبر 13th, 2007 at 13 ديسمبر 2007 5:18 ص
قصة مؤثرة حقا …
رحمة الله على ها الوالد الحكيم …
تحياتي ..